الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

146

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

دلالة الالتزام لأن من أنكر البعث والجزاء فقد تقلد أن ما هو جار في أحوال الناس باطل ، والناس من خلق اللّه فباطلهم إذا لم يؤاخذهم خالقهم عليه يكون مما أقرّه خالقهم ، فيكون في خلق السماء والأرض وما بينهما شيء من الباطل ، فتنتقض كلية قوله : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ، وهو ما ألزمهم إياه قوله تعالى : ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا . والإشارة إلى القضية المنفية لا إلى نفيها ، أي خلق المذكورات باطلا هو ظن الذين كفروا ، أي اعتقادهم . وأطلق الظن على العلم لأن ظنهم علم مخالف للواقع فهو باسم الظن أجدر لأن إطلاق الظن يقع عليه أنواع من العلم المشبه والباطل . وفي هذه الآية دليل على أن لازم القول يعتبر قولا ، وأن لازم المذهب مذهب وهو الذي نحاه فقهاء المالكية في موجبات الردة من أقوال وأفعال . وفرع على هذا الاستدلال وعدم جري المشركين على مقتضاه قوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أي نار جهنم . وعبر عنهم بالموصول لما تشير إليه الصلة من أنهم استحقوا العقاب على سوء اعتقادهم وسوء أعمالهم ، وأن ذلك أيضا من آثار انتفاء الباطل عن خلق السماوات والأرض وما بينهما ، لأنهم كانوا على باطل في إعراضهم عن الاستدلال بنظام السماوات والأرض ، وفي ارتكابهم مفاسد عوائد الشرك وملته ، وقد تمتّعوا بالحياة الدنيا أكثر مما تمتع بها الصالحون فلا جرم استحقوا جزاء أعمالهم . ولفظ : « ويل » يدل على أشدّ السوء . وكلمة : ويل له ، تقال للتعجيب من شدة سوء حالة المتحدث عنه ، وهي هنا كناية عن شدة عذابهم في النار . و مِنَ ابتدائية كما في قوله تعالى : فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ [ البقرة : 79 ] ، وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم لابن الزبير حين شرب دم حجامته : « ويل لك من الناس وويل للناس منك » . [ 28 ] [ سورة ص ( 38 ) : آية 28 ] أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) أَمْ منقطعة أفادت إضرابا انتقاليا وهو ارتقاء في الاستدلال على ثبوت البعث وبيان لما هو من مقتضى خلق السماء والأرض بالحق ، بعد أن سيق ذلك بوجه الاستدلال الجمليّ ، وقد كان هذا الانتقال بناء على ما اقتضاه قوله : ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ ص : 27 ] فلأجل ذلك بني على استفهام مقدر بعد أَمْ وهو من لوازم استعمالها ، وهو استفهام إنكاري . والمعنى : لو انتفى البعث والجزاء كما تزعمون لاستوت عند اللّه أحوال